حسن الأمين

262

مستدركات أعيان الشيعة

فرأى الفرنسيون أن يأخذوا الأمر بالشدة وأن يخمدوا الصوت قبل أن ينتشر في كل الآفاق فاعتقلوا الثلاثة واعتقلوا معهم من كان من أعوانهم . فجاءت النتيجة عكس ما أمل الفرنسيون إذ كان اعتقال هؤلاء مثيرا للمظاهرات ، مؤليا للجماهير ! . وكلما اتسع الاعتقال اتسع نطاق المظاهرات ، ولا أزال أذكر مشهد المصفحات الفرنسية وقد اخترقت سوق الحميدية ماضية إلى قرب مدخل المسجد الأموي ، حيث كان المتظاهرون يتجمعون أكثر ما يتجمعون هناك . وانتهى الأمر بمحاكمة الثلاثة ومحاكمة آخرين معهم والحكم عليهم بالسجن مددا مختلفة وإرسالهم إلى جزيرة أرواد ليقضوا مدة الحكم هناك . وقد بقوا في سجون أرواد حتى الثامن عشر من تشرين الأول العام 1923 حيث أطلق سراحهم . وهكذا كان هؤلاء الثلاثة كما عبر عنهم بعد ذلك نجيب الريس الذي كان رفيقهم في سجون أرواد : أصحاب الصيحة الأولى . أول مقال ومضت الأيام وأنا لا أزال أواصل الدراسة الابتدائية في المدرسة العلوية ثم أوشكت على إنهائها ، وفي الصف الأخير منها ( الصف السادس ) يوم ذاك كتبت أول مقال نشرته لي مجلة العرفان . فقد طورتني دروس الإنشاء التي كان يتولاها أديب التقي ، وكتبت يوما موضوعا شعرت أنه أرضى الأستاذ ، فعدت وبيضته وطلبت إليه أن يرسله إلى مجلة العرفان ، فاستجاب أديب التقي لذلك ، وأرسله لصاحب العرفان كما هو قائلا في تقديمه ما لا أزال أذكر بعضه : « هذه سانحة من سوانح التلاميذ أرسلها لكم على علاتها » . وكان من فضل الشيخ عارف الزين وتشجيعه أن نشرها ( على علاتها ) وما أوضحها من علات كما تبين لي بعد ذلك ! . وهكذا فتحت لي مجلة العرفان باب الكتابة وجعلتني أؤمن باني أستطيع أن أكتب وأنشر . ثم تكرر الأمر أكثر من مرة ، وكل ما كان ينشر انما ينشر ( على علاته ) ! ! . ذكرى كانت الأحكام التي صدرت على الدكتور شهبندر وسعيد حيدر وحسن الحكيم ورفاقهم أحكاما بالسجن مددا مختلفة أقصاها عشرين سنة وأقلها خمس سنين . ولم تلبث الحركة أن هدأت والمظاهرات أن انقطعت ، ولا أذكر أنه حدث بعد ذلك أي حادث وطني ، فيما عدا ما كانت تتململ به النفوس دون أن تبرزه أو تبوح به . وراق الفرنسيين هذا الركود وأرضاهم هذا الهمود فأطلقوا سراح مسجوني أرواد بعد حوالي سنة ونصف السنة ، فعادوا جميعا إلى دمشق . ولم يعودوا ليستسلموا ، فما هي إلا برهة قصيرة حتى عاودوا الحركة وعاد الناس يجهرون بما كانوا يضمرون ، وبدأ التململ يتخذ مختلف المظاهر . ثم كان أن بدأ العمل المنظم فاصدر أحد أبرز معتقلي أرواد سعيد حيدر بالاتفاق مع شقيقه يوسف حيدر جريدة المفيد . فكانت هذه الجريدة الصوت الوطني المتعالي والتف حولها شيوخ الكفاح وكهوله وشبانه فكانت لسانهم الناطق . بل كانت مدرسة الوطنية الناجحة ! . وأعترف باني كنت من أصغر تلاميذها وأنها لقنتني من الدروس ما كان له أعظم الأثر في حياتي وأنها علمتني ما لم أنسه وأنضجت في ذهني الفكرة الوطنية وأوضحت أمامي طريق الكفاح ! . لقد كانت مقالات سعيد حيدر نبراسا وهاجا ينير السبل أمام التائهين ، وكان قلمه المحرك للهمم المثير للعزائم ! . ولم تكن المفيد بمستطيعة أن تقول كل شيء ، ولا كانت قادرة على أن تصرح بجميع ما يجب التصريح به ، والدعوة إلى كل ما تريد أن تدعو إليه ، لأن سيف التعطيل الإداري كان مسلطا فوق رأسها يهددها عند أول بادرة ! . . لذلك كانت تلجأ إلى الرمز ، وما كان أوضح هذا الرمز عند النفوس المتعطشة إلى كل كلمة وطنية . ولن أنسى أبدا ما كتبه سعيد حيدر بتوقيع « س . . . » وما صور به في المفيد بقلمه في صباح الثامن من آذار ! . . وما صباح اليوم الثامن من آذار ؟ أنه صباح اليوم الذي أعلنت فيه سوريا استقلالها التام الناجز وصرخت بوجه الدنيا متحدية قوى الاستعمار بأنها تريد أن تعيش حرة سيدة نفسها ! . . ولم يلبث الحلم السعيد أن عاش بضعة شهور فقط ، ولم يلبث الاستقلال أن هوى في يوم ميسلون ! . وجاءت ذكرى الثامن من آذار والاستعمار الفرنسي يجثم بكل شراسته على صدر الوطن الجريح ! . جاءت الذكرى العظيمة فكان لا بد لجريدة المفيد وسعيد حيدر من أن يحتفل بها احتفالا يليق بجلالها ! . احتفالا يوقظ النفوس ويلمس القلوب ، ويوقظ الغافي ويهز الهامد ، بل يثير ويستنفر ! .